إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
181
الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني )
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : إِنَّمَا الرَّأْيُ الْمَذْمُومُ الْمَعِيبُ الرَّأْيُ الْمُبْتَدَعُ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ مِنْ ضُرُوبِ الْبِدَعِ ، فَإِنَّ حَقَائِقَ جَمِيعِ الْبِدَعِ رُجُوعٌ إِلَى الرَّأْيِ ، وَخُرُوجٌ عَنِ الشَّرْعِ ( 1 ) . وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْأَظْهَرُ ، إِذِ الْأَدِلَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ لَا تَقْتَضِي بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ مِنَ الْبِدَعِ نَوْعًا دُونَ ( 2 ) نَوْعٍ ، بَلْ ظَاهِرُهَا يقتضي ( 3 ) الْعُمُومَ فِي كُلِّ بِدْعَةٍ حَدَثَتْ أَوْ تَحْدُثُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، كَانَتْ مِنَ ( 4 ) الْأُصُولِ أَوِ الْفُرُوعِ ( 5 ) ، كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ ( 6 ) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ } ( 7 ) بعد ما حَكَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْخَوَارِجِ ( 8 ) . وَكَأَنَّ الْقَائِلَ بِالتَّخْصِيصِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لَمْ يَقُلْ بِهِ ( 9 ) بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ ، بَلْ أَتَى بِمِثَالٍ مِمَّا تَتَضَمَّنُهُ ( 10 ) الْآيَةُ ، كَالْمِثَالِ الْمَذْكُورِ ، فَإِنَّهُ مُوَافِقٌ لِمَا كَانَ ( 11 ) مُشْتَهِرًا في ذلك الزمان ، فهو أولى مَا يُمَثَّلُ بِهِ ، وَيَبْقَى مَا عَدَاهُ مَسْكُوتًا عَنْ ذِكْرِهِ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ ، وَلَوْ سُئِلَ عَنِ الْعُمُومِ لَقَالَ بِهِ . وَهَكَذَا كُلُّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَقْوَالِ الْخَاصَّةِ بِبَعْضِ أَهْلِ الْبِدَعِ إِنَّمَا تَحْصُلُ عَلَى التَّفْسِيرِ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْآيَةَ الْأُولَى مِنْ سُورَةِ آلِ عمران إنما نزلت فِي قِصَّةِ نَصَارَى نَجْرَانَ ؟ ثُمَّ نُزِّلت عَلَى الْخَوَارِجِ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ ( 12 ) ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُذْكَرُ فِي التَّفْسِيرِ ، إِنَّمَا يَحْمِلُونَهُ عَلَى مَا يشمله
--> = الدين علم الكلام ، والصحيح أن كتب العقيدة التي قرر فيها أهل السنة عقيدتهم ، وردوا فيها على المبتدعة لا تسمى كتب الكلام ، لأن الكلام مذموم ، وكتبه مذمومة ، بل تسمى كتب العقيدة ، أو كتب السنة أو نحوها ، وتقدم التعليق على نحو هذا في الموضع المذكور . ( 1 ) انظر هذا القول في جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ( 2 / 138 ) . ( 2 ) في ( ت ) : " وبعد " . ( 3 ) في ( م ) و ( خ ) و ( ط ) : " تقتضي " . ( 4 ) مطموسة في ( ت ) . ( 5 ) فالأول خَاصٌّ بِالِاعْتِقَادِ ، وَهَذَا عَامٌّ فِي الْعَمَلِيَّاتِ وَغَيْرِهَا كما ذكر ذلك المؤلف في الباب العاشر ( 2 / 335 ) من طبعة رشيد رضا . ( 6 ) تقدمت ترجمته رحمه الله ( ص 76 ) . ( 7 ) سورة الأنعام : آية ( 159 ) . ( 8 ) تقدم قوله ( ص 93 ) . ( 9 ) ساقطة من ( ت ) . ( 10 ) في ( ت ) : " تضمنته " . ( 11 ) المثبت من ( غ ) و ( ر ) ، وفي بقية النسخ " قال " ، وهي غير واضحة في ( خ ) . ( 12 ) انظر الآية وحمل بعض الصحابة لها على الخوارج ( ص 75 - 81 ) .